وهبة الزحيلي

141

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وقدرته ، من خلق الإنسان على أطوار ، وخلق السماوات السبع الطباق ، وتزيينها بالشمس والقمر ، وجعل الأرض ممهدة كالبساط . التفسير والبيان : ذكر اللّه تعالى أنواع الشكوى من نوح عليه السلام على قومه ، فقال : - قالَ : رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً أي قال نوح مشتكيا إلى ربه عز وجل ما لقي من قومه وما صبر عليهم في مدة طويلة هي ألف سنة إلا خمسين عاما : إني دعوت قومي إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان ، دعاء دائما متصلا في الليل والنهار ، من غير تقصير ، امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا عما دعوتهم إليه ، وبعدا عنه ، أي كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق ، فرّوا منه ، وحادوا عنه . ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء : - وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ، جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ، وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ، وَأَصَرُّوا ، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً أي وكلما دعوتهم إلى سبب المغفرة ، وهو الإيمان بك ، والطاعة لك ، سدّوا آذانهم برؤوس أصابعهم ، لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه ، وغطوا بثيابهم وجوههم لئلا يروني ، ولئلا يسمعوا كلامي ، واستمروا على الكفر والشرك العظيم ، واستكبروا عن قبول الحق استكبارا شديدا ، أي استنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له . - ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً أي إنني نوّعت أساليب الدعوة ، فدعوتهم إلى الإيمان والطاعة جهرة بين الناس ، أي مجاهرا لهم بها ، ثم جمعت في الدعوة بين الإعلان بها والإسرار . والمراد بالآيات أنه كان لدعوته ثلاث مراتب : بدأ بالمناصحة في السر ليلا ونهارا ، ففروا منه .